من الملعب إلى ميدان المعركة: جغرافيا المقاومات في تاريخ كرة القدم

من الملعب إلى ميدان المعركة: جغرافيا المقاومات في تاريخ كرة القدم

قبل شهرين
- ‎فيأوراق الخميس
279
0

في 1933 قررت مجموعة من المناضلين الوطنيين بسيدي بلعباس، تأسيس ناد كروي جزائري يمثل مدينتهم وكفاحهم ضد الثقافة الاستعمارية. ومن بين هؤلاء المناضلين نذكر أسماء علي سلّام، عمار لخمس، سعيد لوهيبي وعبد القادر حساني. كانت الحركة القومية الاستقلالية آنذاك تشجع تأسيس جمعيات ثقافية ورياضية.

كان الهدف من ذلك التأسيس، الاتحاد في النضال، ونقل الكفاح والجهاد ضد الانهزامية، وذهنية الاستعمار إلى ساحات كرة القدم، إذ كان النظام الاستعماري الفرنسي يروّج عن الجزائريين أنهم “همج وكسالى ومتخلفون ويكرهون الحضارة والتقدم”. سمّى المناضلون الوطنيون فريقهم الكروي الاتحاد الرياضي الاسلامي لسيدي بلعباس Usmba وهم بتأسيسهم للنادي حملوا في الملاعب مشعل الوطنية الثورية والانتفاضة على الفكر الاستعماري الفرنسي..

لقد خاطب لاعبو الاتحاد نادي سبورتيغ بلعباس Sporting club de Bel Abbès الاستعماري (المتكون من مستوطنين أوروبيين) بلغة المقاومة وعندما انفجرت حرب التحرير الوطني، بعد مرور 21 سنة على تأسيس اتحاد سيدي بلعباس، التحق العديد من لاعبي الفريق بصفوف جيش التحرير الوطني في سبيل تحرير الوطن من الاستعباد، من بينهم الشهداء عبد القادر بومليك والإخوة عماروش. وهكذا اقترن كفاح اتحاد بلعباس على الجبهة الرياضية بالكفاح الوطني الثوري المسلح على الجبهة العسكرية.

بعد مرور سنتين على مذابح 8 ماي 1945 الاستعمارية، تأسس في شرشال نادي كرة قدم اسمه المولودية Mouloudia Sportif Cherchellois، اسم ذو رمزية دينية وثقافية قوية لدى أجدادنا الذين كانوا يسعون إلى الحفاظ على شخصيتهم الجزائرية وعلى ثقافتهم في ظل المحاولات الإدماجية للسلطات الاستعمارية وقمعها وطغيانها. كان أغلب لاعبي فريق المولودية عمّالا وجاءت أسماؤهم كالتالي: بلقاسم عليوي، على بن ضيف الله، محي الدين بن ضيف الله، طيب بن مقدّم، محمد بوعمراني، لخضر بوشامة، محمد جمعي، محمد فنجال، أحمد نوفي، يحيا ربزاني، طيب روماني، نور الدين  سعدون، عبد الرحمان يوسف خوجة، عبد القادر زقرار، سي طاهر، علي بن فرحات، عبد القادر يونس. كل هؤلاء اللاعبين كافحوا وجابهوا رياضيا فريق L’Etoile Césarienne (النجمة القيصرية) الاستعماري بشرشال. تسمية النادي الاستعماري ليست بريئة إذ تشير كلمة césarienne إلى Caesarea/Césarée (القيصرية) وهو اسم شرشال في عهد الاستعمار الروماني للجزائر القديمة.

كل لاعبي فريق مولودية شرشال لبوا نداء 1 نوفمبر 1954 وانخرطوا في جيش التحرير الوطني وتألقوا في اشتباكات بطولية مع جنود الاستعمار في معركة لالة عودة (قرب داموس، بولاية تيبازة حاليا) بتاريخ 28 فيفري 1957 وكل اللاعبين سقطوا شهداء بعد ذلك، مكافحين في سبيل تحرير الوطن. إنّ مقاومة لاعبي المولودية متجذرة في التاريخ الوطني، إذ هم أحفاد القبائل الريفية الموريتانية الثائرة على الاستعمار الروماني في منطقة شرشال وفي موريتانيا، في القرنين الأول والثاني ميلادي.

عندما انفجرت حرب التحرير الوطني اليوغسلافية Narodnooslobodilački rat Jugoslavije سنة 1941، التحقت الأغلبية الساحقة من أعضاء ولاعبي فريق كرة القدم سلوبودا توزلا FK Sloboda Tuzla (حاليا، بالبوسنة والهرسك) بالمقاومة المسلحة. Sloboda تعني الحرية، باللغة الصربية والكرواتية. وشارك لاعبو وأعضاء سلوبودا في مختلف المعارك لطرد جيوش الاحتلال الألمانية والإيطالية من البوسنة وكرواتيا ولسحق قوات الأوستاشا الكرواتية العميلة للاحتلال.

تأسس فريق سلوبودا توزلا سنة 1919 على يد مجموعة من العمال والمناضلين في الحركة العمالية. ولكن كان اسم الفريق في البداية نادي كرة القدم غوركي، نسبة إلى الكاتب الروسي السوفيتي مكسيم غوركي Максим Горький (مؤلف رواية “الأم”) الذي صور في كتاباته معاناة الشعب الروسي تحت استبداد النظام القيصري ونضال الجماهير الشعبية من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية. وكان القائد النقابي ميتار تريفونوفتش أوتشو Mitar Trifunović Učo هو من اقترح تلك التسمية.

استشهد عدد كبير من عناصر سلوبودا في ميدان المعركة، من أجل حرية وطنهم، ونذكر من بين هؤلاء الشهداء محرّم مَرْجيتْشْ ، إيفان مارْكوفِتش إيراتْسْ ، ألْبِين هَرْلْيِيفِتش ، أنور شيلْياكْ، باشاغا مانْجِتْشْ وميتارْ تْرِيفونوفِتْشْ أوتْشُو. ويجدر الذكر أيضا أن فريق سلوبودا ضم في صفوفه الكاتب اليوغسلافي الراحل محمد ميشا سَليمُوفِتْشْ  الذي شارك وناضل كذلك في حرب التحرير الوطني اليوغسلافية. يُعتبر محمد ميشا سليموفتش أحد الأسماء الأدبية البارزة في يوغسلافيا سابقا وحاليا في البوسنة وفي صربيا.

في يوم الفاتح ماي 1926، أسس مجموعة من العمال والمناضلين النقابيين، وعلى رأسهم يوفان يولوفتش، نادي كرة قدم بمدينة تْشَاتْشَكْ  الصربية (في يوغسلافيا سابقا)  وأطلق العمّال على ناديهم اسم بُورَتْسْ  وهي كلمة صربية تعني المناضل. لم يكن اختيار اسم الفريق ولا تاريخ إنشائه أمرا اعتباطيا. الفاتح ماي هو يوم العمّال، وبورتس يجسّد كفاح العمال من أجل حقوقهم الاجتماعية والعدالة ونضالهم ضد الاستعباد في المصانع. وكان فريق بورتس منذ البداية مناضلا بحق؛ فبعد احتلال صربيا من قبل الجيوش الألمانية والمجرية وإقامة حكومة صربية عميلة للاحتلال، اندفع لاعبو بُورَتْسْ في المقاومة المسلحة والتحقوا بجيش التحرير الوطني اليوغسلافي. وضحى بورتسФК Борац Чачак  في كفاحه من أجل تحرير وطنه بـ44 لاعبا سقطوا شهداء في ميدان المعركة، من بينهم طالب الحقوق واللاعب راتْكُو مِيتْرُوفِتْشْ т Митровић،عضو الجمعية الثقافية الفنية أبراشيفتش ، الذي ترسّخ اسمه في الذاكرة الجماعية والشعبية لمدينة تشاتشك.

لم يكن نضال لاعبي تشاتشك وأندية صربية أخرى (مثل نادي رادنيتشكي نيش  لتحرير وطنهم من الاحتلال نضالا ظرفيا، فاللاعبون الذين حملوا السلاح ضد المحتل هم أحفاد الثوار الصرب الذين قاوموا الاحتلال في الثورة الصربية المسلحة، خلال القرن التاسع عشر (1804-1815)

دائما في صربيا، حمل نادي كرة القدم نجم بلغراد الأحمر ، منذ تأسيسه أثناء الحرب العالمية الثانية (مارس 1945)، هذه الثقافة النضالية الثورية إذ كان مؤسسوه وعناصره مناضلين ثوريين في المقاومة اليوغسلافية ضد طغيان الاحتلالين الألماني والمجري.

حينما تضامنت دولة يوغسلافيا بزعامة تيتو Tito مع قضية كفاح وطننا التحرري وساندت الدولة ذاتها المجاهدين في جيش التحرير الوطني مساندة سخية بالسلاح والأدوية والدبلوماسية، فعلت ذلك لأنّ كفاح أجدادنا المسلح والبطولي من أجل الحرية والاستقلال ذكّر الشعب اليوغسلافي بمقاومته البطولية أثناء الحرب العالمية الثانية من أجل التحرر من الاحتلال.

بقلم: محمد وليد قرين.

-كاتب ومترجم- أستاذ جامعي


‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضا