مثقفو الفايسبوك

مثقفو الفايسبوك

قبل شهرين
- ‎فيأوراق الخميس
107
0

اقتنع الكثير من المثقفين المعارضين للسلطة، أنّ الفايسبوك هو حزبهم، وهو المنبر الأنسب لمعارضة الحكومة والتعليق على ما تفعله، وأصبحوا ينقلون ويوزّعون تعاليق ساخرة ضد المؤسسات والأشخاص، مثلهم مثل عامة الناس الذين ينتقدون من دون تقديم بدائل أو تبرير تلك الانتقادات …

أصحاب “الفايس” يشبهون مَن كانوا يسمون “أصحاب الصالونات” الذين يجلسون في مكاتبهم أو في مقاعدهم الوثيرة ويقضون ثلاثة أرباع أوقاتهم في الكلام ضد غيرهم بسبب وغير سبب،  وإذا كان يجوز لعامة الناس الذين لديهم أوقات فراغ أن يقضوه في الصالونات أو الفايسبوك، فليس من حق المثقفين قضاء أوقاتهم بالطريقة نفسها .

لا يوجد في المجتمع من يستطيع تقديم وجهة نظر متزنة وصحيحة مثل المثقف الذي من المفروض أنه يفهم الوضع أو يسعى إلى فهمه، ويفهم التحوّلات والتطوّرات، ويعرف معنى القانون والدستور، ويتحرّك من داخل هذه الأطر بحرية ومسؤولية، فينتقد من يشاء ويبرر الانتقاد ويسعى إلى إقناع الناس بوجهة نظره، فيقدم خدمة لبلده ولشعبه، وهذا هو المطلوب من المثقف بحكم تميّزه عن غيره بقدرته على الفهم والتحليل .. لكن هذا لم يعد يحدث، بدليل أنّ ما ينشره  مثقفو الفايسبوك ويوزعونه على بعضهم البعض هو مجموعة من النكت والتعاليق وغالبيتها مشين وبذيء، في حين البلاد  محتاجة أكثر من أي وقت مضى لمواقف رزينة متسمة بالحكمة ولتكن كما تشاء أن تكون، كن مع الحكومة إن شئت أو كن ضد الحكومة إن شئت، وكن مع هذا المرشح إن شئت أو كن مع ذاك المترشح إن شئت، ففي النهاية هذا موقفك وأنت حرّ فيه ومسؤول عنه ..

الكثير من المثقفين تخلوا عن الأدوار التي من المفروض القيام بها، واكتفوا بأدوار هامشية لا تليق بهم، وأصبحوا غير فعّالين وغير مؤثرين، وتكشف المراسلات التي يتم التعامل بها عبر الفايسبوك عن وجه بائس وفكر ضئيل وهزيل، وقد قام الكثير من هؤلاء بنشر وتوزيع تعاليق ما كانت لتصدر من عامة الناس بسبب ضآلتها وقبحها، لكنها أصبحت عملة متداولة بين المثقفين وبشكل علني ورسمي .

ماذا ينتظر المثقفون حتى يدخلون في خضم النقاش الجاري حاليا حول الانتخابات الرئاسية بمقالات وتحليلات هادئة وثاقبة، والمشاركة في تقديم الوقائع بطريقة جيدة للرأي العام، والاندماج في النقاش العام الذي مازال بسيطا وخفيفا ومن دون وزن أو طعم، ولا أدري متى يدلون بدلوهم، وهل ينتظرون في المدرج يتفرجون ثم  يبدؤون في إصدار التعاليق بعد نهاية المباراة؟.

وحتى في الفايسبوك الذي أصبح المنبر المفضل للمثقفين المتفرجين لا يتم استعمال هذه الوسيلة بالطريقة التي يجب استعماله بها، وبدلا من إطلاق التحاليل والمواقف ممّا يجري في الساحة، يكتفي هؤلاء بإطلاق النكت وإصدار الأحكام على الخصوم وإطلاق الاتهامات مثل الصواريخ دون تفكير في العواقب أو النتائج ..

لا يمكن للمثقف أن يؤدي مثل هذا الدور، بل عليه أن يندمج في مجتمعه، وألّا يتعالى عليه، وألّا يكتفي بالتعليق على ما يجري أمام عينيه بطريقة ساخرة أو مسطحة، بل عليه أن يقول كلمته في قضايا أمته بحرية ومسؤولية، ولا يهمه في الأمر سوى مصلحة شعبه وبلده، وهذا بالضبط ما نفقده في مثقفي الفايسبوك الذين أصبحوا عنوانا للكسل.. مثلهم مثل مثقفي الصالونات، وهي التسمية القديمة لمثقفي الفايسبوك .

هابت حناشي


‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضا