مدونة الغيب… الدين والثورة

مدونة الغيب… الدين والثورة

قبل شهرين
- ‎فيأوراق الخميس
171
0

ليست بالثورة الدينية ولا بالعروبية، يشدّد البيان المؤسس على ذلك، ينخرط نوفمبر في الحداثة السياسية، في عملية تحقيق الاستقلال وبناء الدولة الأمة (إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة، ضمن إطار المبادئ الإسلامية واحترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي وديني وتحقيق وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي).

يطرح البيان مسألتين، من جهة المبادئ الإسلامية كإطار، كوعاء عام، ومن جهة ثانية احترام الحريات الأساسية، دون تمييز عرقي أو ديني ثم مسألة تحقيق الوحدة المتمثلة في وحدة الشمال الإفريقي في إطاره العربي الإسلامي، ويوصف هذا الإطار بالطبيعي، ويصمت البيان عن عمق الجزائرنية وبُعدها الأمازيغي، ويُبعد عنصر الانتماء إلى المتوسطية وذلك على رغم التشديد على الاحترام الشامل للحريات الدينية والجنسوية، دون تمييز عرقي أو ديني.

ليست الجزائر في نظر أصحاب المشروع أمة في طور التشكل من عناصر مختلفة ثقافيا، مثلما جاء في أطروحة موريس طوريز، وطن وشعوبا قيد التشكل، أمة في طور الهجانة المتحركة، بل هي بلد مرتبط بإطار طبيعي، في الشمال الإفريقي يتمثل في الانتماء إلى الفضاء الثقافي العربي الإسلامي ليكمل الإطار الآخر المحتوي للدولة /المشروع المنتمية قبليا إلى دائرة المبادئ الإسلامية.. يطرح الإسلام مرتبطا بالعروبة، كانتماء ومرجعية وإطار جامع يمنع الخروج على حدوده المرسومة، تكمن الحداثة في المسعى على صعيد الخطاب السياسي العملي، حداثة برغماتية، تقنية، آلوية لكن ترفض أن تشكل أرضية النسيج المشكل لروح الدولة ومرجعيتها الأساسية، فالديمقراطية الاجتماعية تأتي في أسفل السلم وكواجهة حافظة على صلة الانتساب إلى الحداثة السياسية حضن الحريات الأساسية والصائنة لتعددية الأقليات الثقافية والدينية..

هل كانت جماعة نوفمبر تؤمن بالفعل بضرورة الانتماء العضوية الثقافي والديني للأقلية الأوروبية والدينية في الدولة القادمة، المنبثقة من العملية الثورية ذات التوجه الاستقلالي؟!

تم تثبيت ذلك في اتفاقيات إيفيان والاعتراف به سياسيا واندرج في الشرعية المدشنة عبر التفاوض، لكن ظل ذلك بعد الإعلان مباشرة عن الاستقلال حبرا على ورق، لقد انبثقت قصة من خارج النص المتفق عليه في إيفيان، لكن أيضا الموثق في بيان الفاتح من نوفمبر وفي وثائق الصومام وطرابلس..

وجهان قبائليان من داخل الثورة، وهما العقيد عميروش والقيادي، مهندس مؤتمر الصومام ظلا يقدما كوجهين متضادين، ونقيضين لعملة واحدة، (الثورة الجزائرية) قدم الأول على أساس أنه رجل دين، محافظ، منغلق، يمثل رجعية الثورة وانغلاقها ورفضها للحداثة، وتنسب إليه المذابح التي طالت المثقفين والمستنيرين داخل جيش وجبهة التحرير، بينما يحسب الثاني على الجناح الحداثي والعلماني للثورة، وكلا الرجلين تعرضا للتصفية الداخلية بسبب تشددهما تمثيلهما الارثوذوكسي للوجهين المتصادين لجهاز الثورة..

كان عميروش يمارس الثورة كجهاد، ويروى أنه درس القرآن، وكان حريصا على تطبيق أحكام الشريعة على الجنود والضباط في المنطقة التي كان يقودها، كانت الثورة ليست فقط تجليا للجهاد الديني من أجل استرجاع الوطن كخطوة نحو تحرير الدين من أيره الأوروبي والمسيحي، وكان عبان رمضان، عقلانيا، علمانيا، يمارس الثورة كحداثة في الفكر والممارسة الثورية المنخرطة في عملية التحرر العلماني للوطن والإنسان معا.. كانت الثورة هذه الهجانة بين سلطة الأرض وسلطة السماء، بين سلطة الدنيوية وسلطة الغيبي الديني، الميتافيزقي.. لم تكن الثورة عند العقيد عميروش لكن أيضا عند عبان رمضان ثورة شيوعيين وإن كان عبان لعب دور المستقطب للشيوعيين مثلهم مثل العلماء للانخرط في مشروع الثورة التي انطلقت ولا مجال لها للتوقف في منتصف الطريق

ما الذي كان يمثله الدين في الثورة!؟،

كان الشيخ العقبي وهو الأصوات التي رفعت عاليا السلفية الوهابية في السماء الجزائرية، وكان ممثلا للجانب السلفي داخل الحركة الإصلاحية ممثلة في جمعية العلماء، لم تكن الثورة بمعناها الحديث من تشكل الأولوية في قضية تحرر الجزائري في نظر العقبي ورفاقه من أمثال محمد مبارك الميلي، والبشير الإبراهيمي بل الإصلاح الذي كان مرادفا للوهابية في محاربتها لما كنت تسميه شركا، وهو زيارة القبور والتبرك بها، والإيمان بالأولياء الصالحين وإقامة القبب والاحتفال بالأعياد الدينية التي كانت في نظر سلفيي جمعية العلماء تندرج في البدعة، لم تكن الأولوية هي محاربة الاستعمار، بل محاربة الجهل الديني، بل كان الانخراط في السياسة يعد من الأشياء المحاذية للبدعة، حتى لا نقول منبوذة ومشتبه فيها..

كانت اللغة العربية والعودة إلى الدين (النقي) المؤول حنبليا تشكلان جوهر المعركة، وليس الاستقلال، ومن هنا لم ترفع أي جريدة أو مجلة كانت تابعة للعلماء أو للشيخ عبد الحميد بن باديس أو للشيخ العقبي شعار الوطن، بل كان الشعار الوحيد الذي يرفع، هو شعار الدين أو اللغة العربية.

لم يكن الدين يشكل حضوره فقط في سردية العلماء، بل كان يظهر في سردية الإسلام الصوفي والإسلام التقليدي والإسلام الحضري لأبناء المدن والعائلات البورجوازية، كان الدين على رغم عنوانه الوحيد متعدد الواجهات، الإسلام المذهبي، الإسلام الشعبي التقليدي والإسلام الإصلاحي السلفي.. كان الدين يشكل فائضا في الحياة اليومية والعائلية للجزائري، ومن هنا لم يكن على رغم عدم انتشاره عند الأغلبية الناشطة كسلوك يومي، لكن حضوره الثقافي والوجداني كان متجذرا في العقل الجماعي وفي اللاوعي الجماهيري،، لم يكن الدين عنوان عقيدة بقدر ما كان يعبر عن روح هوية، روح تميّزها وتشكل ملامحها وتمنحها وجودا مختلفا ومستقلا، لم يكن الدين منخرطا في التأويل التاريخي وفي معركة النحل داخل الإسلامات المتصارعة على سلطة الشرعية التمثيلية للإسلام الكلاني والشامل، الإسلام المالك للحقيقة المقدسة، بل كان منخرطا في سياق مختلف، في سياق الحرب الرمزية الثقافية والوجودية مع الآخر /الاستيطاني، حامل مشروع الاستئصال الثقافي واللغوي، الحرب ضد الاستعمار الذي جعل من ضمن في خططه الاستراتيجية الكلاني.

أحميد. ع


‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضا