المصالحة السياسية أولا ..

المصالحة السياسية أولا ..

قبل أسبوعين
- ‎فيأوراق الخميس
33
0

لا أحد يسأل لماذا توقف قطار المصالحة الوطنية في منتصف الطريق، وذلك برغم تراجع الإرهاب وأفول العنف لكن ظلت السلفية الماضوية والانتهازية تتجه نحو الأمام وتكتسح مسافات أكثر اتساعا داخل المجتمع وذلك ما أنشأ تحالفا انتهازيا ما بين السلطة وممثلي التيارات السلفية واليمينية المحافظة؛ فلقد قامت السلطة بتبييض نفسها بواسطة هذا التحالف مع السلفية كما سعت هذه الأخيرة إلى تثبيت أقدامها من خلال فتاويها المدعمة والموالية للحاكم وصمتها عن أخطائه باسم درء المفسدة الكبرى وهي، كما يقولون، الفتنة..

كان من المفروض أن تحدث المصالحة الوطنية ليس فقط بين الإسلام الراديكالي والسلطة لكن بين الذين كفروا الناس وخرجوا على المجتمع وبين أنفسهم، وكذلك بينهم وبين الناس..المصالحة الحقيقية لم تحدث لأنها كانت تفتقد إلى شروطها الحقيقية، ومن بين شروطها توفر الإعلان عن الندم والامتثال للمحاسبة بعد قول الحقيقة وقبول العدالة، كل ذلك لم يتحقق، وكان المحاور والمشرف على ما سمي بالمصالحة هم العسكر أو القوى الأمنية والاستخباراتية، بحيث جردت عملية المصالحة من مضمونها السياسي والفلسفي وأفرغت من جوهرها الاجتماعي، وتحوّلت إلى عملية تقنية ووظفت كلمات ظلت مرفوضة عند من وضعوا السلاح مثل كلمة التوبة، فهؤلاء لم يعترفوا بالمصطلح لأن لا توبة إلا لله،  ومن هنا لم تحدث المراجعات على مستوى الخطاب الديني ولا على صعيد الفكر والاعتقاد بل تسرب جانب من هذا الفكر إلى داخل المؤسسات نفسها.

ونصل إلى القول إن المصالحة الوطنية كانت تفتقد إلى شرط أساسي، وهو ضرورة مرورها بمرحلة المصالحة السياسية، والمصالحة تتم في مرحلة أولى بين المتحاربين أو المتخاصمين، أي بين السياسيين، وليس بين العسكريين والمسلحين، أي كان عليها أن تتم بين السلطة السياسية والقوة السياسية التي كانت تمثل المشروع الذي انخرط في الحرب من أجل الدفاع عنه المسلحون الإسلاميون، لكن ذلك لم يتم وتعاملت السلطة العسكرية مع الإسلاميين المسلحين الذين مارسوا في معارضتهم الإرهاب كمنهج وأسلوب وكان ذلك على حساب السياسيين ، وهنا تم إجهاض المصالحة السياسية بواسطة المصالحة التي أطلق عليها اسم  المصالحة الوطنية.

إن المصالحة السياسية تعبر عن بداية دينامية تاريخية وحقيقية، وتتصف بعمقها وأصالتها وشموليتها لأنها لا تتوقف عند الطرفين الرئيسين المتخاصمين أو المتحاربين بل تتسع رقعتها إلى كل الأطراف الفاعلة الصانعة للعبة السياسية في تعدديتها وتركيبيتها وتنوعها واختلافاتها، ويعني ذلك العودة إلى العلاقة الصحية في صميم الممارسة السياسية، أي إعادة المعنى للسلطة كسلطة وإلى السلطة المضادة وإنقاذ الديمقراطية من الابتذال الذي وضعت فيه منذ البداية..

إن المصالحة السياسية هي القادرة وحدها على إنقاذ البلاد من براثن وحش ينتظرنا في منعطف الطريق، وحش الفوضى التي قد تندلع في أي لحظة وهي في كل الاحوال تكون حربا مخربة ومؤلمة ويجب تجنبها بأي ثمن، لأنه يصعب أن يخرج أي طرف منها رابحا، وتتطلب المصالحة السياسية جرأة من الجميع وتنازلات من طرف الجميع  وذلك لاستعادة الجزائر التي لم تعد تعني الوجهة المشتركة والمصير الواحد والخلاص الواحد..

إن وضع الكمائن والترصد لم يعد  مجديا وأثبت أنه بصدد استنزاف  الجميع، ولا يمكن أن تتحقق الغلبة لأحد، وبات الخروج من هذه المصيدة ضرورة تاريخية وذلك لا يتم إلا من خلال الانخراط في عملية المصالحة السياسية بين القوى السياسية الحقيقية داخل النظام وخارجه، وبين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأخرى، ولا يمكن أن تحدث هذه المصالحة السياسية إلا من خلال وضع ورقة طريق واضحة المعالم، تشكل ميثاقا أو عقدا وطنيا جديدا في ظل هذه الحقبة التي أصبحت تتجه نحو ما يمكن تسميته بحقبة ما بعد الوطني ..

احميدة عياشي


‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضا