وأخيرا أبصرنا!!

وأخيرا أبصرنا!!

قبل شهر واحد
- ‎فيأوراق الخميس
114
0

لا نعرف لحد اليوم هل يقرأ الجزائري اختيارا أو اضطرارا؟ لا نعرف ماذا يقرأ الجزائريون وبأي لغة، لا نعرف مثلا بأي لغة يقرأ الجزائري في المدن، وبأي لغة يقرأ الجزائري في الريف؟ لا نعرف أيضا ماذا يقرأ الجزائري المتعلم تعليماً عالياً وماذا يقرأ الجزائري المتعلم تعليماً محدوداً؟ لا نعرف أي المواضيع تستهوي القارئ الجزائري مما هو معروض في سوق الكتاب، لا شيء من هذا موجود كإحصائيات على مستوى المؤسسات الرسمية أو مكاتب الدراسات والاستشارات أو دور النشر، كلّ ما هو موجود رقم كبير تعتد به الجهات الرسمية سنويا يتعلق بنسبة الإقبال على معرض الجزائر الدولي للكتاب، ولسنا نعلم أيضا إن كان الجزائريون يقبلون على “الصافاكس” للتنزه وأكل الشاوارما  والكاوكاو أو اقتناء الكتب ولقاء الكتّاب!!

والأسئلة التي طَرحتٌها في مستهل المقال طرحَهَا عدد مهم من ممثلي دور النشر في التحقيق الهام الذي أنجزه الإعلامي والكاتب الصحفي المقيم في باريس بوعلام رمضاني مؤخرا لصالح وسيلة إعلامية عربية هامة في المهجر، والتفاصيل التي أوغل فيها التحقيق مقلقة على أكثر من صعيد، لأنها جاءت على لسان أسماء دور نشر وناشرين مهمين في الساحة تتجاوز علاقة أصغرهم بـ (سوق) الكتاب أزيد من ثلاثين سنة كاملة! اللافت في تدخلات الناشرين اتفاقهم على أن ثمة إعراضا مرضيا عن المطالعة حتى في أوساط الجامعيين، لمن نحمل المسؤولية؟

وجدتٌ ناشرا مثل مصطفى ماضي، عاد إلى التدريس الجامعي بعد 30 سنة قضاها بدور نشر مهمة، يقّر أن طلبة في علم الاجتماع بقسم الماستر تخصص ثقافي اعترفوا له أنهم لم يدخلوا مكتبة ولا مرّة واحدة في حياتهم، بل هناك في القسم نفسه من لم يسمعوا البتة بالطاهر وطار ولا رشيد بوجدرة  أو واسيني لعرج، في وقت تدرّس المدرسة التونسية مثلا وطار وخلاص وبن هدوقة، ولا مكان لهؤلاء وغيرهم في المدرسة الجزائرية، الساعات الأسبوعية التي تخصصها فرنسا مثلا، للكتاب عرضا ونقدا، في الإذاعات والتلفزيونات لا تضاهيها تلك المخصصة للكتاب في الجزائر والتي لا تتجاوز مجتمعة الـ 4 ساعات !!

أعرف أن في إيران مثلا، وليس في فرنسا فقط، يٌطالب التلميذ على امتداد سنوات التمدرس بقراءة خمس قصص قصيرة في الطور الابتدائي وثلاث روايات في المتوسط وأكثر من خمس روايات في الثانوي، أين نحن من هذا؟ المصيبة أن ثمة واقعا جديدا ارتسم أمامنا قبل أزيد من عشر سنوات نتعامى عليه، وهو أننا اليوم أمام جيل فايسبوكي لا يقرأ، لكن له أدواته الخاصة في الاقتراب إلى المعرفة، ولسنا نفقه كيف نصل إليه وكيف نتقاسم معه الأدوات نفسها لتوصيل الكتاب إليه. الحقيقة الوحيدة الآن هي أن الذي يقرأ في الجزائر هو جيل ما فوق الخمسين، والمنظومة التربوية كما هي عليه الآن تتفرج على هذا الجيل ولا تعرف بعد كيف تخاطبه!!

غير طبيعي ألا تحوز الجزائر بعد أزيد من نصف قرن على الاستقلال على خريطة وطنية للنشر والناشرين رغم وجود مركز وطني للكتاب، لا نعرف لحد الساعة بأي لغة يقرأ الجزائريون؟ ولا نعرف ماذا يقرأ الجزائريون؟ ولسنا نعرف ماذا يترجم؟ علمت من وزير الثقافة عز الدين ميهوبي قبل يومين فقط، أن ثمة عملا ميدانيا وعلميا كبيرا ومهما تم إنجازه على مستوى المركز الوطني للكتاب، تحت إشراف الوزارة، سيتم الإعلان عن نتائجه عقب اختتام الطبعة الـ 23 لمعرض الجزائر الدولي للكتاب في ندوة صحفية ينشطها الوزير نفسه. قد يقال إن هذا العمل جاء متأخرا جدا، هذا صحيح، لكن الأهم كما نعتقد، هو أن العمل المنتظر قبل سنوات، أٌنجز أخيرا، ولا شك أنه سيقدّم إضاءات دقيقة حول كل ما يتعلق بالكتاب والنشر وتوجهات القراءة في الجزائر وبأي اللغات. وأخيرا أبصرنا!!

فتيحة بوروينة


‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضا