المخرج الدستوري للأزمة السياسية

المخرج الدستوري للأزمة السياسية

قبل شهرين
- ‎فيأوراق الخميس, الجزائر, الرئيسية
292
0

شهدت الجزائر منذ 22 فيفري، عدة مبادرات أتت من قبل أحزاب سياسية موالية للسلطة أو معارضة لها، إلى جانب شخصيات وطنية ونُخب حاولت أن تقدّم حلولا للأزمة السياسية التي تتخبّط فيها الجزائر.

بعض تلك المبادرات لاقت رفضا من قبل السلطة الفعلية وبعضا منها لاقت رفضا صريحا من قبل الحراك، فهذا الأخير يحمل مطالب يراها جوهرية وموضوعية للعودة إلى المسار الديمقراطي، بحكم أنه لا يريد أن يتولى رموز النظام مسؤولية تنظيم الانتخابات لما عرف عنهم من قبل باحترافية في التزوير، فنزلاء الرئاسة والحكومة ما هم إلا تركة السلطة السابقة، والحراك يريد تطهيرها منهم لطي صفحة نظام بوتفليقة للأبد على النحو الذي تقوم به المؤسسة العسكرية من تطهير لصفوفها من القوى غير الدستورية.

وفي المقابل، نجد السلطة الفعلية قلقة من مخاطر الفترة الانتقالية، على أساس أنّ هذه القوى غير الدستورية لا تزال تحظى بنوع من القوة التي يمكن لها أن تحدث الفوضى وبالتالي إمكانية انهيار مؤسسات الدولة، خاصة أنها بدأت تخترق صفوف الحراك ببث النعرات الجهوية ومحاولة خلق صراع وهمي بين الشعب وبين المؤسسة العسكرية.

وعلى هذا الأساس، يجب إيجاد مخرج توافقي وسطي، يتماشى مع مطالب الحراك من جهة ومع مطلب السلطة الفعلية في عدم الخروج عمّا تنص عليه مواد الدستور، وأنا أرى أنّ الحل يكمن في المادة 102 التي تسببت في هذه الأزمة السياسية وبفضلها أيضا تكمن الحلول، على شرط أن يتحلى الجميع بروح المسؤولية وأن تكون النوايا صافية بين الطرفين.

إنّ الحوار الذي دعت إليه المؤسسة العسكرية، يمكن له أن ينجح في ظروف غير تلك التي نعيشها، فحلول الأزمة الحالية ليست لا بيد أحزاب المعارضة ولا بيد أحزاب الموالاة ولا حتى بين يدي الشخصيات الوطنية، وبالتالي فالحوار إنْ جرى سيتحوّل إلى حلبة تبادل للتهم بين الأطراف ليس إلا، والكل يعلم أنّ الحراك لا تسيّره لا أحزاب المعارضة ولا أحزاب الموالاة، لذلك يجب التركيز على المبادرة الأولى التي تقدّمت بها قيادة الأركان والمتمثلة في الحل الدستوري.

لقد أفرز حراك الشارع الذي تنظمه مختلف شرائح المواطنين كل جمعة، ويدعمه الطلبة والأساتذة الجامعيون كل ثلاثاء، جملة من المطالب التي يمكن أن تشكّل إجماعا من قبل المتظاهرين إزاء آليات حلّ الأزمة، والأمر نفسه بالنسبة للمؤسسة العسكرية التي تراهن على أن الحل يجب أن يكون دستوريا.

ووفق هاتين الرؤيتين، يمكن أن نصل إلى حل سياسي يتماشى مع مواد الدستور، وسينقذنا من الورطة التي نحن فيها، والحل في حقيقته عبارة عن جملة من الآليات التي يجب أن تتّبع وفق أجندة محكمة يمكن أن تؤدي بنا في آخر المطاف إلى بر الأمان، حيث ترتكز على آخر المستجدات على الساحة الوطنية، وعلى ما تنص عليه مواد الدستور، وقد حصرتها في عشر خطى هي كالتالي:

الخطوة الأولى: تقديم رئيس المجلس الدستوري استقالته، وتعيين بن صالح لأحمد طالب الإبراهيمي عضوا في المجلس، واختيارنا لهذه الشخصية نتيجة لما تحظى به من قبول بين أوساط الحراك أو لدى المؤسسة العسكرية، خاصة أنها شخصية نوفمبرية قدّمت الكثير سواءً أثناء حرب التحرير أو بعدها، وفوق ذلك لم تتلطخ بالفساد المتفشي بين أوساط السلطة.

الخطوة الثانية: ترأس الإبراهيمي للمجلس الدستوري وتقديم بن صالح استقالته من منصبي رئيس مجلس الأمة ورئيس الدولة، وإنْ استدعى الأمر تقديم رئيس مجلس الأمة بالنيابة لاستقالته.

الخطوة الثالثة: تبعا للمادة 102 من الدستور، يتولى أحمد طالب الإبراهيمي منصب رئيس الدولة.

الخطوة الرابعة: تقديم حكومة بدوي استقالتها، فالمادة 104 من الدستور تنص على عدم إمكانية الإقالة ولا تتحدّث مطلقا عن الاستقالة.

الخطوة الخامسة: يعيّن رئيس الدولة إحدى الشخصيات التوافقية رئيسا للحكومة، وهذا الأخير يختار بدوره وزرائه من تكنوقراطيين غير متحزبين مهمتهم تصريف الأعمال، ويجب الأخذ بعين الاعتبار هنا إبعاد الشخصيات التي أعلنت رغبتها في الترشح للرئاسيات.

الخطوة السادسة: تستحدث لجنة وطنية خاصة بالإشراف على الانتخابات ومراقبتها وتنظيمها، يمكن أن يترأسها مثلا رئيس النقابة الوطنية للقضاة أو إحدى الشخصيات التوافقية، وتمنح لها حرية اختيار أعضاءها من القضاة والمحامين.

الخطوة السابعة: تنظيم انتخابات رئاسية، مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية اللجوء إلى دور ثانٍ.

الخطوة الثامنة: من بين الأولويات التي على الرئيس القيام بها هو إنشاء هيئة مستقلة لمراجعة مواد الدستور، بحيث تُجرى التعديلات التي تسمح بخلق نظام تسيير يضمن استقلالية المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والحد من بعض صلاحيات الرئيس، ويمكن اللجوء إلى إجراء استفتاء يختار فيه الشعب نظام الحكم الذي يريده، بين البرلماني والرئاسي، ووفق نتائج ذلك الاستفتاء يصاغ الدستور الجديد.

الخطوة التاسعة: إعادة النظر في القانون العضوي للمجلس الأعلى للقضاء والقانون العضوي للقضاة، حتى نضمن استقلالية القضاء وعدم تبعيته لوزارة العدل، إلى جانب توفير الحماية للقضاة.

أمّا الإطارات الأخرى التي يطالب الحراك بتنحيتها، فيمكن الوصول إليها عن طريق النظر في استمارات التوقيعات التي جمعت لبوتفليقة، فشبهة التزوير قائمة، وبها يمكن الوصول إلى الولاة ورؤساء الدوائر ورؤساء البلديات المشاركين في تلك العملية، حيث يترك للقضاء الفصل في أمرهم.

د. بوعلام بطاطاش

أستاذ جامعي


‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضا